ملا محمد مهدي النراقي
74
جامع السعادات
يصدر منها شئ يوجب سخط الله ، ولا يقصر في شئ من الطاعات الواجبة ، ولا يترك ما تيسر له من الخيرات والنوافل . والأولى أن يكون ذلك بعد الفراغ عن فريضة الصبح وتعقيباتها ، فيخاطب النفس ويقول لها : يا نفس مالي بضاعة سوى العمر ، ومهما فنى رأس المال ، ووقع اليأس عن التجارة وطلب الربح ، وهذا اليوم الجديد ، وقد أمهلني الله فيه بعظيم لطفه ولو توفاني لكنت أتمنى أن يرجعني إلى الدنيا يوما واحدا لأعمل صالحا فاحسبي أنك توفيت ثم رددت ، فإياك أن تضيعي هذا اليوم ، فإن كل نفس من أنفاس العمر جوهرة نفسية لا عوض لها ، يمكن أن يشتري بها كنزا من الكنوز لا يتناهى نعيمها أبدا الآباد . ويتذكر ما ورد في بعض الأخبار : من أن كل عبد خلقة له بإزاء كل يوم وليلة من عمره أربع وعشرون خزانة مصفوفة . فإذا مات تفتح له هذه الخزائن ، ويشاهد كل واحد منها ويدخلها ، فإذا فتحت له خزانة خلقت بإزاء الساعة التي أطاع الله فيها ، يراها مملوءة نورا من حسناته التي عملها في تلك الساعة ، فيناله من الفرح والاستبشار بمشاهدة تلك الأنوار التي هي وسائل عند الملك الجبار ما لو وزع على أهل النار لأدهشهم ذلك الفرح عن الاحساس بألم النار ، وإذا فتحت له خزانة خلقت بإزاء الساعة التي عصى الله فيها ، يراها سوداء مظلمة يفوح نتنها ويتغشأ ظلامها ، فيناله من الهول والفزع ما لو قسم على أهل الجنة لينقص عليهم نعيمها ، فإذا فتحت له خزانة بإزاء الساعة التي نام فيها أو غفل أو اشتغل بشئ من مباحات الدنيا لم يشاهد فيها ما يسره ولا ما يسوؤه ، وهكذا يعرض عليه عدد ساعات عمره الخزائن ، وعند ذلك يتحسر العبد على إهماله وتقصيره ، ويناله من الغبن ما لا يمكن وصفه ، وبعد هذا التذكر يخاطب نفسه ويقول : اجتهدي اليوم في أن تعمري خزائنك ، ولا تدعيها فارغة عن كنوزك التي هي أسباب ملكك ولا تركني إلى الكسل والبطالة فيفوتك من درجات العليين ما يدركه غيرك فتدركك الحسرة والغبن يوم القيامة إن دخلت الجنة ، إذ ألم الغبن والحسرة وانحطاط الدرجة مع وجود ما فوقها من الدرجات الغير المتناهية التي نال إليها أبناء نوعك مما لا يطاق ، ثم يستأنف لها وصية في أعضائه السبعة : أعني العين ، والأذن ، واللسان ، والفرج ، والبطن ، واليد ، والرجل ، ويسلمها